التراجع للأمام ” الثابت والمتغير في عالم الفكر ”
يمّر الإنسان في حياته بمراحلٍ عديدةٍ يبدأ فيها منهجه بالفكرة التي تتحول لاحقاً إلى قناعةٍ ثمّ إلى حماسةٍ ثمّ إلى ركودٍ ثمّ إلى نضجٍ وعملٍ استراتيجي يتسم بالحكمةِ والخبرة، هكذا هي فلسفتي في النظرة للأمور بالنسبة للأفكار والمناهج ككل.
وحين نتحدث عن الفرد فإننا نتحدث عن الإنسان حُرّ العقل الذي لا يؤجر عقله لصديق أو حبيب، أو أي فردٍ كانت له مساحة تأثير لدى عوام الناس بل يختار أفكاره وآراءه وفق قناعة تامة، ووفق مايدين الله به أنه صوابٌ لا يحتمل التأويل أو التشكيك.
قد يكون التراجع أحياناً في بعض الأطروحات والآراء التي لا تخص الأصول أو القواعد التي يبنى عليها المنهج هي أمرٌ مهم خاصة حين يكون فهمنا للأمور ناقصاً في أوّل وهلة وحين يكون حكمنا على الشيء بعيداً كل البعد عن تصوره.
وهكذا في حياتنا قلّما يوجد من يعترف بخطأ فعله، لكي يصوّبه ويتجه نحو الخيّار الأمثل وليصلح الفكرة التي تبنيت سابقاً في وجهٍ خاطئ، بل يكتفي الكثير بتبرير خطأ الفكرة وإنكار تبنيها في السابق خاصةً عندما يكون رمزاً من الرموز فتجده يغرق في هذا الأمر حتى لا يخسر الأتباع.
ومن إيجابيات التراجع إلى الصواب هو ذلة النفس وإرغامها سلوك طريق الحق الذي غالباً مايكون ثقيلاً على النفس التي غالباً ماتدفع الإنسان إلى التعنت والإستعلاء وثقافة الإستبداد على الآخرين!
إن مراجعة الأفكار ووسائل العمل هي خطوة إيجابية نحو تحقيق الأهداف، ونحو بلوغ العزّ والمجد والإنتصار الحقيقي للفكرة في زمنٍ أصبحت فيه رسالة الدعوة تحتاج إلى ثباتٍ في مراحل وحكمةٍ في مراحل وإعدادٍ في مراحل.
إنّ من مميزات مراجعة الأفكار هي معرفة الأفكار الرئيسية والأفكار الثانوية، معرفة وإدراك الكلي والجزئي حتى لا ينجرف الفرد خلف التيّار بلا وعيٍ وإدراكٍ، وحتى يصل الفرد المسلم نحو فكرة البناء الصحيح وعلو الهمة.
ولا تعني المراجعة الإنتكاس عن مفاهيم صائبة قام بها الفرد في وقتٍ مضى، بل هي تدقيق لأيهم أصوب وقد روى عن عمرو بن العاص أنه قال: ليس الفقيه من يعرف الخير من الشر، لكن الفقيه من يعرف خير الخيرين وشر الشرين.
يبقى السؤال المطروح دائماً، على أيّ أساسٍ نتراجع ؟
يمر الإنسان أحياناً في هذه الحياة بضغوطات عصيبة ربما تغيّر من نظرته لبعض الأمور التي تجري من حوله، وهذا التراجع وفي هذا الوقت يجب ألا يعول عليه كثيراً لأنه حصل في وقتٍ عصيبٍ، فالأفكار التي يتبنها الفرد في وقت الضغوطات أو عدم الإتزان الكامل والراحة نفسية يؤثر سلباً أو إيجاباً.
فهي كمن حضر للمريض المقعد وطلب منه القيام بعمل لا يستطيعه أو يستطيع تنفيذ جزء من المهمة.. ولو انتظر حتى يشفى المريض وطلب منه العمل لقام به على أتم وجه، لذا الفكرة التي تتكون في حالة الإستقرار النفسي والإيماني تكون أعمق بكثير من الأفكار التي تبنيت في ظروفٍ ليست مستقرة للفرد.
فمن تراجع عن فكرته بسبب ضغطٍ لا يعد ذلك تراجعاً حقيقياً بل هو في حقيقة الأمر انهزامٌ داخلي ولو نافح عنه الفرد .. كمثل المنتكس عن الدين حين يبرر انتكاسه بأنه لا يتحمل أخطاء بعض المنتسبين للدين، وهو في حقيقة الأمر لا يتحمل نظرة المجتمع له كمتدين، هذا مثال للإنهزام الخطير الذي يصيب الفرد بسبب مايحصل حوله من فتن.
ولذا كان الثبات على المنهج صفة بطولية لا تكون إلا فيمن اصطفافهم الله وكانوا من الطيّب الخالص، ومن عادة البشر عدم الصبر والثبات على الأزمات لأن الثبات يحتاج إيمانٌ راسخ وزهدٌ حقيقي بمعنى الحياة .. وثقة كبيرة بالله.
وقد يخلط البعض بين الأمور الفقهية والعقائدية فيسمي التراجع عن الأولى انتكاساً يستحق مُجابهته، والأمر الثاني قضيةً تقبل الحوار والمُراجعة.
إذاً تبقى المراجعة للأفكار قضيّةً شائكةً محاطة بكثير من التعقيدات والعاقل من كان لديه تحرراً فكرياً يؤهله لقبول الحق ممن كان ولا يبني موقفه وفق أحداث معينة أو تصورٍ ناقص.
إن التراجع مفهومٌ جميل .. لكنه لا يكون على حساب دماء الآخرين وتضحياتهم وليس لأجل المصلحة الشخصيّة الضيّقة، بل لا يكون لأنّ المجتمع أراد لنا أن تنازل عن مواجهة من يملك زمام القوّة والبطش بنا.
إن بعض المواقف تستلزم منا تراجعاً للأمام وقوةً في تبني الفكرة خاصةً حين نمّر بفتن في ديننا، فتنٌ تقتضي علينا أن تنازل أو نتراجع فحين يتملكنا الإنهزام والضعف ونقع في النكسة نبرر ذلك بأنه تراجعاً للأمام! وهو في حقيقة الأمر خسارةٌ للفكرة وللذات.
إن الإنسان لا يخسر الفكرة الصائبة حين يتخلى عنها وحسب .. بل يخسر نفسه لأنه اختار خياراً فاشلاً يؤثر في نضوجه وحكمته.

قمة الذكاء أن تتراجع عن الأفكار الخاطئة هكذا علمني شيخي
يوسف said this on ديسمبر 27, 2008 في 8:32 ص